المجتمع و الديانة المسيحية

وتعود الشهادات المتعلقة بالمسيحية في حضرموت إلى القرن الثالث، فقد روى ترتليان أن شهيدا مسيحيا تم الرمي به إلى فهد في المسرح المدرج. لكن المجموعة المسيحية لم تتكون إلا في نهاية القرن الثالث[1]. وقد أتاحت الحفريات العثور على العديد من الدواميس وأكبرها تلك التي تنسب إلى هرمز، وهو راع صالح وسيفيروس. وقد سمي الأول كذلك لأن شخصا اسمه هرمز أمر ببناء قبر بالفسيفساء لزوجته وابنه نستطيع أن نقرأ ما كتب فوقه على جانبي مرساة في شكل صليب يحيط بها دلفين[2]: هرمز (أمر ببنائه) لزوجته وابنه (أو أبنائه) الأعزاء

لوحة فيسفسائية على قبر زوجة و ابن ”هرمز”

وتعود تسمية سرداب الموتى ‘الراعي الصالح’ إلى لوحة من الرخام الرمادي نقشت عليها صورة الراعي وهو عائد بالشاة الضالة .

le-bon-pasteur

صورة الراعي وهو عائد بالشاة الضالة

أما الثالثة فتعود تسميتها إلى المرثية المنقوشة على قبر سيفيروس. ومن هنا جاءت إحدى أجمل المرثيات المنقوشة على القبور التي توجد بالمتحف سواء من حيث جودة النقش أو من حيث مديح الزوج لزوجته المتوفاة:

Haec fuit Eusebia fratres rara castissima coniux

quae mereuit mecum vitam coniugii ut tempora monstrant

annis decem sexs mensibus octo et viginti diebus

huius ut confiteor vitam deus ipse probauit

innocua vere coniunx exempli rarissimi sexus

oro successus ego tabularius huiusque maritus

eius semper meminisse fratres vestris precibusque.

ونستطيع ترجمة ذلك كما يلي: أيها الإخوة هذه كانت أوزيبيا، زوجة غاية في العفة، قلت مثيلاتها، وكانت أهلا للعيش معي في كنف الزواج كما تبينه التواريخ: ستة عشر عاما وثمانية أشهر وعشرين يوما. أعترف أن حياتها قد باركها الرب نفسه دون شك. كانت زوجة بريئة فعلا ومثالا نادرا لبنات جنسها. أيها الإخوة، أرجوكم، أنا سكسيسوس حافظ دفاتر الحسابات وزوجها، أن تذكروها دائما وخاصة في صلواتكم.

Eloge d’Eusebia

إن مثل هذه المرثيات ،التي تذكرنا بالعالم الوثني، يندر في الواقع وجودها في الدواميس. ومعظم النصوص تعود إلى العالم المسيحي الذي جاءت مرثياته في الغالب على شكل لوحات فسيفسائية لم يكتب فيها إلا القليل ولاتروي الكثير من التفاصيل. ونستطيع أن نذكر على سبيل المثال مرثية ريناتا الصغيرة التي لم تعش إلا سنة وشهرين وثمانية وعشرين يوما

مرثية ريناتا الصغيرة

أو مرثية باسكسيوس المليئة بالزينة  والذي توفي في سن 65 تقريبا

مرثية باسكسيوس

وقد اتسمت الزينة فيها بكونها زينة كلاسيكية ومطابقة للمعتقدات: الصليب اللاتيني أو اليوناني وعلامة الميرون في تاج مزين بالحرفين اليونانيين ألفا وأميغا ، مع صور في بعض الأحيان للوفرة التي غالبا ما يتم يمثلها قدح ذي مقبضبين تخرج منه براعم كروم.

الصليب اللاتيني أو اليوناني

وقد جاءت أجمل هذه الرسوم التي تمثل هذا الموضوع على فسيفساء ثيودول التي تمثل مزهرية يخرج منها جذع نخلة وأوراق الكروم التي تكسو لفائفها كل الحقل وعلى الأغصان حجل وطاووس وبط وتدرج. أما في أعلى النخلة فقد كتب باليونانية اسم المالك أو الفسيفسائي ثيودول (تيودولو).

فسيفسائية ثيودول (تيودولو).

ومن أروع الشهادات على تواجد المسيحية في المنطقة هو جرن المعمودية الشهير بالبقالطة، وهي ثابسوس قديما ، وهي مزينة بقطع من الحجر والبلور وبداخلها صليب مرصع  تحيط به ألفا وأوميغا. وفي الأعلى طيور تجري (من بينها كثير من الجوارح) بين المحار داخل الحجرات الصغيرة. وعلى الجانب الأعلى نقوش تحاكي تحية الملائكة للرعاة (لوقا 2.14):

[Gloria in excelsis Deo] ET IN TERRA PAX (h)OMINIBVS BONE / BOLVM[tatis l]AVDAMVS T[e]

وتعني: المجد لله في الأعالي، وسلام على الأرض ، وللرجال ذوي العزائم الصادقة. الحمد لك (الرب).

60-Baptistère

جرن المعمودية الشهير

[1] A.-F. Leynaud, Les catacombes africaines. Sousse-Hadrumète, 2e éd. Alger 1962. Voir aussi L. Foucher, Hadrumetum, 1964, p. 146-149, pl. IXa ; N. de Chaisemartin, Les sculptures romaines de Sousse et des sites environnants, École Française de Rome, 102, 1987, p. 347-363.

كان القدماء يرون في الدلفين منقذا للإنسان وصديقا له. [2]

 

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on Twitter